الشيخ محمد علي طه الدرة
15
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه
وقيل : هو استقسام الجزور بالأقداح على الأنصباء المعلومة ، وهو نوع من القمار ، فقد كانوا يتآمرون على ناقة تذبح ، فيقطعونها ثمانية وعشرين قطعة ، ويأتون بعشرة أقداح ، اسم الأول : الفذ ، يربح قطعة واحدة ، والثاني : التوءم ، يربح قطعتين ، والثالث : الرقيب ، يربح ثلاثا ، والرابع : الحلس ، يربح أربعا ، والخامس : النافس ، يربح خمسا ، والسادس : المسبل ، يربح ستّا ، والسّابع : المعلّى ، يربح سبعا ، والثّامن : السّفيح ، والتاسع : الوغد ، والعاشر : المنيح ، وهذه الأقداح الثلاثة خاسرة لا نصيب لها من الرّبح . يجعلون هذه الأقداح العشرة في خريطة ، ويسلمونها إلى رجل مشهور بالأمانة بعيد عن التلاعب ، فيخضّها ، ثمّ يخرج منها قدحا باسم أحد المتقامرين ، ثمّ يخضها ثانية ، ويخرج منها قدحا باسم غيره ، وهكذا حتى تنتهي القداح العشرة ، فمن خرج باسمه الفذ ؛ فله سهم واحد ، ومن خرج باسمه التوءم ؛ فله سهمان إلى أن تنتهي الأسهم الرابحة ، أمّا القداح الثلاثة تتمة العشرة ؛ فلا تربح شيئا ، وأصحاب هذه القداح يدفعون ثمن المقامر عليه مع الرّابحين بالتّساوي طيبة بها نفوسهم مفتخرين . وكان الرّابحون لا يأخذون شيئا ممّا ربحوه ، بل يتبرعون بجميعه إلى الفقراء والمحتاجين ، ويكتفون بمدح الناس ، وثنائهم عليهم . قال عنترة في معلّقته رقم [ 54 ] في وصف من قتله : [ الكامل ] ربذ يداه بالقداح إذا شتا * هتّاك غايات التّجار ملوّم وقال لبيد - رضي اللّه عنه - في معلقته رقم [ 73 و 74 ] : [ الكامل ] وجزور أيسار دعوت لحتفها * بمغالق متشابه أجسامها أدعو بهنّ لعاقر ، أو مطفل * بذلت لجيران الجميع لحامها ذلِكُمْ فِسْقٌ أي : ما ذكر من هذه المحرمات في هذه الآية ؛ لأنّ المعنى : حرّم عليكم تناول كذا ، وكذا ؛ فإنه فسق ، والفسق : ما يخرج من الحلال إلى الحرام . وقيل : إنّ الإشارة عائدة على الاستقسام بالأزلام ، والأول أصحّ . الْيَوْمَ : لم يرد به يوما بعينه ، وإنّما أراد الزمن الحاضر ، وما يتّصل به من الأزمنة . وإنّما المعنى : الان يئس الذين كفروا من دينكم ، فهو كما تقول : اليوم قد كبرت ، تريد الان قد كبرت ، ولم تقصد به اليوم ، قال النّمر بن تولب الصحابي - رضي اللّه عنه وهو الشاهد رقم [ 209 ] من كتابنا : « فتح رب البرية » - : [ الخفيف ] ربّ أمر يسوء ثمّ يسرّ * وكذاك الزّمان حلو ومرّ وقيل أراد به : يوم نزولها ، وقد نزلت على الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، وهو واقف بعرفة بعد عصر الجمعة ، وذلك في حجّة الوداع سنة عشر من الهجرة . يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ أي : يئسوا أن ترجعوا عن دينكم إلى دينهم كفارا ، وذلك : أنّ الكفار كانوا يطمعون في أن يعود المسلمون إلى دينهم ، فلمّا قوي الإسلام ؛ أيسوا من ذلك ، وكان ذلك هو اليوم الذي دخل فيه رسول اللّه